ابن قيم الجوزية

28

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

الخضوع والذل والخشوع والبكاء وسألوها المغفرة والرحمة والرزق والنصر هم ، الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرسول على الايمان به وتصديقه واتباعه . والذين نزهوا بطارقتهم وبتاركتهم عن الصاحبة والولد ونحلوهما للفرد الصمد ، هم الذين أنكروا نبوة عبده وخاتم رسله . [ صلاة النصارى استهزاء بالمعبود ] والذين اختاروا صلاة يقوم اعبدهم وأزهدهم إليها والبول على ساقه وافخاذه فيستقبل الشرق ثم يصلب على وجهه ويعبد الاله المصلوب ، ويستفتح الصلاة بقوله يا أبانا أنت الذي في السماوات تقدس اسمك وليأت ملكك ولتكن ارادتك في السماء مثلها في الأرض اعطنا خبزنا الملائم لنا ، ثم يحدث من هو إلى جانبه ، وربما سأل عن سعر الخمر والخنزير وعما كسب في القمار وعما طبخ في بيته ، وربما احدث وهو في صلاته ، ولو أراد لبال في موضعه إن أمكنه ، ثم يدعو تلك الصورة التي هي صنعة يد الإنسان فالذين اختاروا هذه الصلاة على صلاة من إذا قام إلى صلاته طهر أطرافه وثيابه وبدنه من النجاسة ، واستقبل بيته الحرام ، وكبر اللّه وحمده وسبحه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم ناجاه بكلامه المتضمن لافضل الثناء عليه وتحميده وتمجيده وتوحيده ، وافراده بالعبادة والاستعانة وسؤاله أجلّ مسؤول وهو الهداية إلى طريق رضاه التي خص بها من أنعم اللّه عليه دون طريق الأمتين المغضوب عليهم وهم اليهود والضالين وهم النصارى ، ثم اعطى كل جارحة من الجوارح حظها من الخشوع والخضوع والعبودية مع غاية الثناء والتمجيد للّه رب العالمين ، لا يلتفت عن معبوده بوجهه ، ولا قلبه ، ولا يكلم أحدا كلمة ، بل قد فرغ قلبه لمعبوده وأقبل عليه بقلبه ووجهه ، ولا يحدث في صلاته ، ولا يجعل بين عينيه صورة مصنوعة يدعوها ويتضرع إليها ، فالذين اختاروا تلك الصلاة التي هي في الحقيقة استهزاء بالمعبود لا يرضاها المخلوق لنفسه فضلا أن يرضى بها الخالق على هذه الصلاة التي لو عرضت على من له أدنى مسكة من عقل لظهر له التفاوت بينهما : هم الذين اختاروا تكذيب رسوله وعبده على الايمان به وتصديقه : فالعاقل إذا وازن بين ما اختاروه ورغبوا فيه وبين ما رغبوا عنه تبين له أن القوم اختاروا الضلالة